السبت، 13 يونيو 2009

( 1 )
وحيداً فوق رمل أرجواني , في صحراء رحبة .. بلا زوايا , ولا جدار , ولا حدود!
كان يجلس مع بدء دخول المساء .. وقد هرب بنفسه من نفسه .
وحيداً .. معلق النظرة في نجمة المساء الحائرة , التي لم تستقر بعد .
شروده .. يبعثر خواطره القلقة , وكأنه قد انفصل عن المكان و الزمان , و طفق يركض
نحو البعيد ... هرباً , أو لحاقاً بشيء !
في ذيول نهار ميت الأنفاس , و دخول مساء يعلن عن التأمل و الإصغاء .. كان نبضه يعلو ,
وكان ماحوله صمت يعذبه !
تلفت حوله , المساحة واسعة بلا حدود , الرمل الذي يجلس فوقه أرجواني .
الصمت حوله , و صوت فيروز ينبعث من داخل سيارته . و خيل إليه أن صوت فيروز قد
انتحر في هذا الصمت .
فكيف ينتحر صوت أعطاه يوماً الإحساس بأنه يغتسل من كل كدره و غبار نفسه ؟!
و علت الظلمة , حدق فيها , و قد اختفى القمر داخل السحب . تعالت أصداء من داخل نفسه
تنادي : _أيها الرمل الأرجواني , أيتها الأرض_ الأصل .
جحد الإنسان أصالتكما , فلم يتعلم منكما فلسفة تمسك الرمل بالأرض . رغم تناهب الريح
لها , رغم العواصف و الأعاصير .
إنه _بهذا الصلب_ لا ينعي الإصرار ولا الوفاء ..
إنه _فقط_ يتذوق الرمل الأرجواني .. كأن له نكهة .. إنها نكهة الأرض .
إن الأرض لا تلد البشر , لأنهم يجحدون . إنها تضخم البشر رفاتاً , لتبقى الأرض بعد ذلك
حبلى بأجسادهم !
( 2 )
أضاءت وجهه دمعة , تومض كقطرة الزئبق .
الزئبق .. تمنى أن يغتسل به يوماً , وهو متفائل أن يبرأ من جراح قديمة .
أصبح قلبه ناصع البياض , لكن حدقتيه مجروحتان !
تلفت حوله من جديد , فلم يعد يرى بالتحديد شيئاً .. إلا المدى , والنجوم , والقمر , والسحب
التي تخطف القمر , وتعيده في لعبة متواصلة .
ما زال الصمت حوله , و الصدى يرجع إليه من عهد قديم صوت "ثومة" وهو يردد :
_ " ولا يعرف الحزن مطرحنا و لا يجينا "_ !!
حدق في الظلمة أمامه , وقد اختفى القمر في تلافيف السحب .
ليل طويل هذا , بقعة حبر جفت بعد أن استقرت فوقها ريشة رسام .
ما زالت اللوحة ناقصة , وهو يبحث عن اكتمال اللوحة !!
لا بد أن ينفي " الكذب " من عالمه , ولكن ... كيف ؟!
حتى العواطف تلوثت بالكذب .
في الكذب تختفي الواقعية التي يرتطم بها البشر بدوافع مادياتهم .
أصبحوا يطلقون على " الكذب " اسم وصفة : الواقعية !!
مهما كانت جودة التمثيل ... فقد فشل الشيطان أن يوهم البشر أنه لم يكن شيطاناً .
الحب صدق .. والكذب " علاقة " تبدأ برغبة , و تنتهي إما بشلل الرغبة , و إما بتفريغها .
إنها لحظة واحدة .. قد يأخذ الإنسان فيها " ما رغب " ... لكن هذه الحصيلة لا تمنح انتصار البهجة
على الشجن المزروع في الأعماق , ولا انتصار الصدق على الكذب المتموه !
لحظات الشجن .. هي ملامح الحزن المتسامي .. ذلك الذي يعطي التعبير عن المحبة التي لا تموت ولا تترمد .
إنها استشعار الإنسان لحقيقته , و هو يحب بمعانيه الصافية و الأصيلة كحبة الرمل التي تتقاذفها الأعاصير ,
لكنها تظل متمسكة بما أحبته , والتصقت به , وتفانت فيه : الأرض !
كذلك الحب .. معنى يتبلور في هذه الصورة التي قالها إنسان فياض :
_ " حب بلا وهم , ولا خوف , ولا مبالغة .. حب ... يشبه قوس قزح ... وقد تحول إلى تاج ... يستقر على قلبين ...
يحس كل منهما بالآخر "
( 3 )
كان يتوق إلى صوت فيروز :
_ " القمر بيضوي ع الناس , والناس بيتقاتلوا .
ع مزارع الأرض الناس ... ع حجارة بيتقاتلوا " ؟!!
تقبض كفه على الرمل , فما تلبث حبات الرمل أن تتسلل من بين أصابعه , و يبقى في كفه ذلك الاختراق , و الانفعال
و الضياع .
كل التجارب و الاكتشافات التي أجراها الإنسان على وجه الأرض , وفي أعماقها ... لم تستغن عن ذرات الرمل , ولا
عن هذا التراب .
حفر الإنسان التراب , و توغل في التربة ... زراعة , و قواعد لبيوت ومنشآت .
وعاد الإنسان إلى الرمل .. إلى التراب , ليجعلها أديماً , و غطاء !
في داخل النفوس تكتشف ...
ومن داخلها يأخذنا الفرح , و الغرور ... فنستزيد منها و نرتطم .
ومن داخلها يمتصنا الحزن , و الضعف ... فنستزيد من التجارب !
لكن طبيعة النفس تبقى دائماً كحبات الرمل ... و تبقى أصالة الإنسان هي نتيجة تلك التجارب .
و الأماني لا يمكن أن تتحول إلى تجارب .. الأماني مفتاح الحرية .
إننا بذلك نحيل أمانينا إلى " رقيق " يخضع لرغباتنا !!
( 4 )
تحيا أحاسيسنا _ إذن _ من موت محقق ... بجرعة حب .
تصبح سرمدية حينما تعيش على أديم الرمل النقي , الرافض للكذب .
و يرتبط الرمل _ غالباً _ بالذكرى :
" كم بنينا من حصاها أربعاً *** وانــثــنيـنا فمحــونــا الأربــعــا
وخططنا في نقا الرمل فلم *** تحفظ الريح , ولا الرمل وعى " !
و ينغمر الإنسان أحياناً في أقنعته المتعددة .
الأقنعة مرهونة بوهن " الخيط " الذي يشدها على الوجه , و الذين يرتدون تلك الأقنعة لا يتأكدون من
متانة الخيط ... من قدرتهم على ما يريدون بهذه الأقنعة !
( 5 )
كانت أصابع يده تداعب حبات الرمل ... وقد طافت به خواطره في هذه النفسية , و الشعورية .
و تمطت ساعات الليل . لزجت أنفاس الصمت .
شعر أن الحياة عادت إلى هذا الليل بطيئة .
أراد أن يتأمل نفسه من الداخل , أن يشاهد أعماقه .
لم يعد ذلك الميت في الصمت و الوحدة , حين قذف نفسه على الرمل مع بداية المساء .
ربما انتصر الأمل في وجدانه من جديد ... وهو يتأمل , و يتوحَّى , و يسترجع ... عبر هذه الرحلة .
ربما أعادت أنفاسه المتقدة :: الروح إلى الليل .
كثير من أشيائنا التي تموت برفض الآخرين الذين أحببناهم ... تحيا من جديد بتسامحنا !
( 6 )
عاد يتوق إلى صوت فيروز وهي تردد :
" يا شعرها الناطر شي إيد تجدلو .
بعدك صغير ع المحبة , و العتاب " !
أفاقت معانيه كلها ... كأنها تحادثه :
_ مستحيل أن يقدر الصمت على قتل الأمل .
( صوت فيروز في أحاسيسه : جرعة من وريد الليل .. يحييه من جديد ) .
_ مستحيل أن تتطاول سلبية الصمت , و وحشية الليل في الوحدة , فتخنق الآهة . و تمنع تجول الخفقة ,
و تصادر التفاؤل .
لم يكن رومانسياً في مشاعره بالقدر المكثف .. كان حزيناً فقط !
كان عاشقاً .. و هذا هو منطق الأمل : المبدأ وفاء .. لم يكن الوفاء مبدأ !!
منطق الأمل : أن نحب !
لكي نحب ... علينا أن نحافظ على مناخ النفس .. حتى لا تصيب البرودة قلوبنا !
( 7 )
امتلأت كفه _ هذه المرة _ بحفنة من الرمل .
تلاصقت أصابعه .. فتعذر على الرمل أن يتسرب من بينها .
ابتسم في كثافة الصمت , و الليل ... و اشرأب عنقه إلى السماء .
رأى الغيوم تفرج عن القمر , و تطلق سراح ضيائه .
رأى النجوم تطرز السماء ... و لمعت حبة رمل فوق كفه .
التقط حبة الرمل التي لمعت , و خبأها في جيبه .
كان أجمل ما كسبه : موعد مع حبة رمل !!
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
* سطر . . . بدفء " حبة رمل " ! *
* الأديب سيد الإبداع " عبدالله الجفري " *

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق